هشام جعيط
321
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الواضح أن هذه السكك لم تكن مبلطة بل حافظت على وضعها خلافا لما كان عليه الأمر في مدينة أخرى هي حمص « 1 » . لكن حمص كانت تابعة للمملكة الرومانية البيزنطية التي يعترف كتّاب عرب كالجاحظ بتفوقها على مجال وادي الرافدين ما عدا بغداد التي فاقت في نظره مدن « الشامات » فعلا « 2 » . ومن المعلوم أن موضوع نظافة السكك والرحاب تدقيقا ، تجسم في بغداد حيث كانت السكك تكنس وتزال أوساخها كل يوم « 3 » . لكن المحتمل أنها لم تكن مبلطة في بادىء الأمر ، لأن التبليط كان في الحقيقة ابتكارا رومانيا لم يدخل كل مكان . أشرنا سابقا إلى السور والخندق ولنوجز القول بشأنهما . لقد فرضهما أبو جعفر المنصور على السكان فحمّلهم النفقات سنة 155 ه عقابا لهم على نزعاتهم المتشيعة لعليّ ، وإحصاء لعددهم - كما جاء في الروايات « 4 » . والواقع أن ما قام به أبو جعفر يعبّر عن ظهور تصور كامل جديد للمدينة . هذا التصور إنما ترمز إليه بغداد تماما ، إذ كان جهازها الأساسي السور ومركبات الأبواب . وهكذا تعود التقاليد البابلية إلى سالف قوتها ، بعد أن اختفت إلى حين . وقد أراد المنصور توسيع هذا التصور إلى عاصمته القديمة حيث ارتجف لفكرة هجمة يقوم بها جيش إبراهيم بن عبد اللّه العلوي الثائر في البصرة . ليس هناك أي شئ ؟ ؟ ؟ في أن الجهد التمصيري الذي قام به المنصور في بغداد والكوفة وغيرهما ، قد داخله شاغل الاحتماء من الثورات الداخلية . إنها لمفارقة أنه فكر في الأمر بعد أن استتب النظام . وينبغي أن نضيف لهذه الأسباب سببا آخر هو أن الكوفة لم تعد مصرا للمقاتلة بل أصبحت بلدا تابعا ، ومدينة من مدن الخليفة . فكان السور استجابة « لتمدين » الكوفة تمدينا كاملا شاملا ، وللتحول الطارىء على اتجاهها ، والمسيرة التي قطعتها طيلة قرن ونصف منتقلة من وضع المصر المسلح المهاجم المضطرب المهيمن ، أحد منابع القوة العربية ، إلى وضع مدينة الثقافة والصناعة المنزوعة السلاح والهشة . فكان ينبغي حمايتها من العالم الخارجي . لعب السور بصورة ملموسة دورا أقل أهمية من الخندق الذي كان قناة حقيقية محصنة ، وكان متضمنا للجسور بأبوابها « 5 » ، وكانت الأفلاك والمراكب تعبره . كانت الكوفة في الماضي مدينة مليئة بغبار وبرائحة الصحراء فأضحت مدينة الماء . كانت محاصرة بين النهر والصحراء ، فمالت إلى جهة النهر ، وجلبت مياهه وسيطرت عليه وعبرته وجعلت منه حزاما
--> ( 1 ) البلاذري في فتوح البلدان ، ص 140 : « إنها مفروشة بالصخر » . ( 2 ) الخطيب ، في : . Lassner , p . 56 ( 3 ) Ibid . , p . 57 . ( 4 ) لم يتحدث البلاذري إلا عن الخندق . انظر : فتوح البلدان ، ص 278 . ( 5 ) البراقي ، ص 120 .